محمد بن جرير الطبري
23
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى آخر الآية . حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : ثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه سعد ، قال : شربت الخمر مع قوم من الأنصار ، فذكر نحوه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحرث أن ابن شهاب أخبره أن سالم بن عبد الله حدثه : أن أول ما حرمت الخمر ، أن سعد بن أبي وقاص وأصحابا له شربوا ، فاقتتلوا ، فكسروا أنف سعد ، فأنزل الله : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الآية . وقال آخرون : نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسين بن علي الصدائي ، قال : ثنا حجاج بن المنهال ، قال : ثنا ربيعة بن كلثوم ، عن جبير ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار ، شربوا حتى إذا ثملوا عبث بعضهم ببعض ؛ فلما أن صحوا جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته ، فيقول : فعل بي هذا أخي فلان وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن والله لو كان بي رؤوفا رحيما ما فعل بي هذا حتى وقعت في قلوبهم الضغائن ، فأنزل الله : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقال ناس من المتكلفين : هي رجس ، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر ، وقتل فلان يوم أحد ، فأنزل الله : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا الآية . حدثنا محمد بن خلف ، قال : ثنا سعيد بن محمد الجرمي ، عن أبي تميلة ، عن سلام مولى حفص بن أبي قيس ، عن أبي بريدة ، عن أبيه أبو أبي بريدة ، قال : بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر حلا ، إذ قمت حتى أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه ، وقد نزل تحريم الخمر : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إلى آخر الآيتين : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ، فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم ، إلى قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال : وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضا وبقي بعض في الإناء ، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ، ثم صبوا ما في باطيتهم ، فقالوا : انتهينا ربنا ، انتهينا ربنا وقال آخرون : إنما كانت العداوة والبغضاء كانت تكون بين الذين نزلت فيهم هذه الآية بسبب الميسر لا بسبب السكر الذي يحدث لهم من شرب الخمر ، فلذلك نهاهم الله عن الميسر . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا جامع بن حماد ، قال : ثنا يزيد بن زريع قال بشر : وقد سمعته من يزيد وحدثنيه قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله ، فيقعد حزينا سليبا ينظر إلى ماله في يدي غيره ، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضاء ، فنهى الله عن ذلك وقدم فيه ؛ والله أعلم بالذي يصلح خلقه . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى قد سمى هذه الأشياء التي سماها في هذه الآية رجسا وأمر باجتنابها . وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية ، وجائز أن يكون نزولها كان بسبب دعاء عمر رضي الله عنه في أمر الخمر ، وجائز أن يكون ذلك كان بسبب ما نال سعد ا من الأنصاري عند انتشائهما من الشراب ، وجائز أن يكون كان من أجل ما كان يلحق أحدهم عند ذهاب ماله بالقمار من عداوة من يسره وبغضه . وليس عندنا بأي ذلك كان خير قاطع للعذر ، غير أنه أي ذلك كان ، فقد لزم حكم الآية جميع أهل التكليف ، وغير ضائرهم الجهل بالسبب الذي له نزلت هذه الآية ، فالخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فرض على جميع من بلغته الآية من التكليف اجتناب جميع ذلك ، كما قال تعالى : فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ القول في تأويل قوله تعالى : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ . . . فَاعْلَمُوا أَنَّما يقول تعالى ذكره : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول في اجتنابكم ذلك واتباعكم أمره فيما أمركم به من الانزجار عما زجركم عنه من هذه المعاني التي بينها لكم في هذه الآية وغيرها ، وخالفوا الشيطان في أمره إياكم بمعصية الله في ذلك وفي غيره ، فإنه إنما يبغي لكم العداوة والبغضاء